أحمد بن محمد المقري التلمساني
106
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
المقارضة ، وإن كان ضدّ ذلك أحسن ، وفي هذا القدر كفاية . وما رقيت قطّ أحدا على الوجه الذي ذكرتم ، ولا استرقيت والحمد للّه ، وما حملني على تبيين ما بيّنته الآن لكم في المسألة إلّا إرادة الخير التام لجهتكم ، والطمع في إصلاح باطنكم وظاهركم ، فإني أخاف عليكم من الإفصاح بالطعن في الشريعة ، ورمي علمائها بالمنقصة على عادتكم وعادة المستخف ابن هذيل شيخكم منكر علم الجزئيات ، القائل بعدم قدرة الربّ جلّ اسمه على جميع الممكنات . وأنتم قد انتقلتم إلى جوار أناس أعلام قلّما تجوز عليهم - حفظهم اللّه ! - المغالطات ، فتأسركم شهادة العدول التي لا مدفع لكم فيها ، وتقع الفضيحة ، والدين النصيحة ، أعاذنا اللّه من درك الشقاء ، وشماتة الأعداء ، وجهد البلاء . وكذلك أحذّركم من الوقوع بما لا ينبغي في الجناب الرفيع ، جناب سيد المرسلين ، وقائد الغرّ المحجّلين « 1 » ، صلوات اللّه وسلامه عليه ، فإنه نقل عنكم في هذا الباب أشياء منكرة ، يكبر في النفوس التكلّم بها ، أنتم تعلمونها ، وهي التي زرعت في القلوب ما زرعت من بغضكم ، وإيثار بعدكم ، مع استشعار الشفقة والوجل من وجه آخر عليكم ، ولولا أنكم سافرتم قبل تقلّص ظلّ السلطنة عنكم لكانت الأمّة المسلمة امتعاضا « 2 » لدينها ودنياها ، قد برزت بهذه الجهات لطلب الحقّ منكم ، فليس يعلم أنه صدر عن مثلكم من خدام الدّول ما صدر عنكم من العيث في الأبشار والأموال ، وهتك الأعراض ، وإفشاء الأسرار ، وكشف الأستار ، واستعمال المكر ، والحيل والغدر ، في غالب الأحوال للشريف والمشروف ، والخادم والمخدوم ، ولو لم يكن في الوجود من الدلائل على صحة ما رضيتم به لنفسكم من الاتّسام بسوء العهد والتجاوز المحض وكفران النعم والركون إلى ما تحصّل من الحطام الزائل إلّا عملكم مع سلطانكم مولاكم وابن مولاكم أيّده اللّه بنصره وما ثبت من مقالاتكم السيئة فيه وفي الكثير من أهل قطره لكفاكم وصمة لا يغسل دنسها البحر ، ولا ينسى عارها الدهر ، فإنكم تركتموه أولا بالمغرب عند تلوّن الزمان ، وذهبتم للكدية « 3 » والأخذ بمقتضى المقامة الساسانية إلى أن استدعاه الملك ، وتخلّصت له بعد الجهد الأندلس ، فسقطتم عليه سقوط الذباب على الحلواء ، وضربتم وجوه رجاله بعضا ببعض ، حتى فلا لكم الجوّ ، وتمكّن الأمر والنهي ، فهمزتم ولمزتم « 4 » ، وجمعتم من المال ما جمعتم . ثم وريتم بتفقّد ثغر
--> ( 1 ) الغر : جمع أغر ، ويريد به الأبيض الوجه . والمحجل : أصله الفرس الذي في قوائمه بياض . وفي الحديث الشريف « أنا قائد الغر المحجلين من أثر الوضوء يوم القيامة » . ( 2 ) امتعاضا : حنقا وغضبا . ( 3 ) الكدية : السؤال . ( 4 ) اعتمد على الآية الكريمة وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ .